الحقائق الغائبة من مندريس الى أردوغان

أردوغان

صورته لنا قناة الجزيرة القطرية على أنه أخر الصحابة والتابعين وركزت الاضواء عليه دون غيره، حتى توهم بعض البسطاء أن « محمد الفاتح « قد بعث من جديد، وباتت تتغنى له ليل نهار وبالتحديد من عام 2007م الى عام 2010م عبر سلسة حلقات طويلة خصصت للتكلم عن الفاتح الجديد، وهتف له الكثير من الاسلاميين على أنه خليفة المسلمين، وكتبت عنه العديد من الكتب، ومن يقراء أولى صفحات تلك الكتب التى نشرت منذ سنوات باسطنبول سنشعر أننا نقراء قصة صقر قريش عبد الرحمن الداخل أو موسى بن نصير او الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر، وغيرهم من الفاتحين، واستغلت جماعة الاخوان فى الوطن العربي الذي لا يؤمنون به من الاساس، ولا يعرفون معنى كلمة وطن، الترويج لمشاريعهم على أساس انها امتداد لتجربة الفاتح العثماني، حتى توهمت الشعوب فى لحظة من اللحظات أن القادم بعد الربيع الذى ضرب المنطقة منذ سبعة أعوام هو شكل أسطنبول المستحضر فى مسلسلات الدراما التركية، الى أن استيقظت الشعوب على كابوس آخر، سواء كانت تلك الشعوب فى الوطن العربي أو فى تركيا نفسها، وشاهدت الوجه القبيح للخليفة العثماني أردوغان الاول.

 

فما هي اذا حقيقة ذلك الاردوغان التى غيبت عنا بفضل الالة الاعلامية الجبارة للتنظيم الدولي لجماعة الاخوان المسلمين التى زيفت كثير من تاريخ اسلاميي تركيا بالتحديد.
بعد الاطاحة بالخلافة وبرجل أوروبا المريض على يد مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك وما من ظهور جماعة الاخوان المسلمون التي نشأت بمحافظة الاسماعيلية (احد محافظات مدن القناة بمصر) كرد فعل لسقوط الخلافة ومحاولة منها لاحياء الخلافة مجددا سواء ان تلك الخلافة ستكون فى مصر او الحجاز او العودة الى أرض العثمانيين مجددا، وبالتزامن مع انتشار جماعة الاخوان وفكر مؤسسها حسن البنا فى مصر وزيادة اتصالاتها وعلاقاتها بالمتأثرين بفكر الخلافة خارج مصر، أو عبر وسطاء دوليين، كانت هناك بذور أصولية ترعرعت مجددا بجوار نهر البوسفور وبين جبال الاناضول وبدأت تنبت فى عام 1950م على يد عدنان مندريس.
فكان مندريس أحد ابرز أعضاء حزب الشعب الجمهوري الحزب الذى اسسه كمال اتاتورك ولكن مع مرور السنوات وأختلاف المصالح بين قيادات الحزب، توترت العلاقة بين مندريس وبين رئيس الوزراء عصمت اينونو الملقب بحامي ميراث اتاتورك العلماني، فترك مندريس الحزب واسس مع مجموعة من أصدقائه حزب الديمقراطي، وفي عام 1950م فاز حزب مندريس بالاغلبية وقام بتشكيل الحكومة واصبح رئيساً للوزراء لمدة عشر سنوات.
وقد رسم مندريس منهجا يتبعه الان جماعة الاخوان فى اليمن وتونس وليبيا وتركيا نفسها، أتبعوه من قبل فى مصر لكن لم يستطيعوا اكماله، وهو منهج يدرس كيفية تفريغ مؤسسات الدولة التي تعتبر الاعمدة الرئيسية لاي دولة حديثة مثل مؤسسة الجيش والشرطة والقضاء، ثم بدأ عدنان مندريس بشن معارك شرسة لتأييد قادة الجيش والعمل على عزل بعضهم، ثم التنكيل بهم وبقادة الاسلحة، وقدم رئيس الوزراء المؤمن (كما يردد السذج) للغرب ما كان يستطيع ان يفعلة احد حتى ولو كان من تولى رئاسة وزراء تركيا رئيس استخبارات بريطانيا بنفسه، فقام مندريس بضم تركيا الى حلف شمال الاطلسى عام 1952م، واصبحت رأس حربة ضد الاتحاد السوفياتي، ولم يتأخر للحظة واحدة فى ارسال قوات تركية الى كوريا، واصبحت تركيا خنجر الصهاينة ضد أي وحدة عربية، كما انة اول من قام بتأييد العدون الثلاثي على مصر 1956م، وفي العام التالي رفض مندريس التصويت بالامم المتحدة لاستقلال الجزائر، وتطورت علاقاته مع اسرائيل بسرعة شديدة فى الوقت الذى ذاق فية العرب المر من العصابات الصهيونية، حتى زار مندريس بنفسه اسرائيل عام 1958م وقت ما كان العرب جميعا فى صراع مرير مع الكيان الصهيونى، لكي يضفي شرعية على الكيان الشيطاني الوليد، وقام بعقد اتفاقيات عسكرية مع تل أبيب لكي تكون تركيا حائط صد ضد نفوذ الزعيم جمال عبد الناصر المتصاعد فى سوريا على حدود تركيا حتى صارت انقرة تشبه تل ابيب وصار مندريس كبن جوريون عثماني.
فلم يتصور احد يوما ان الدولة الاتاتوركية التى اخرجت بيريطانيا منكسة الرأس فى جاليبولي وكان لها استقلالية وشموخ خاص فى الاقليم ان تتحول يوما لدمية يحركها الغرب، الى ان قام الجنرال جمال جورسيل فى 27 أيار 1960م بالاطاحة بمندريس وحكم عليه بالاعدام، وبعد مرور عقود تحديداً في بداية عام 2003م يعود الاسلاميون مرة اخرى لقمة المشهد السياسي التركي ويعودون للحكم مجددا، ولكن فى تلك المرة كانت تحت اسم «حزب العدالة والتنمية» ومع تولي مقاليد الحكم لم يتأخر العثمانيون الجدد قيادات حزب العدالة والتنمية التابع للتنظيم الدولى لجماعة الاخوان المسلمون فى السير على نهج عدنان مندريس.
ففي آذار 2003م فتحت تركيا مجالها الجوي للولايات المتحدة ضد العراق تلبية لرغبة السفاح جورج بوش وبعد تصويت اعضاء حزب العدالة والتنمية فى البرلمان بالموافقة على غزو العراق ومساعدة القوات الاميركية فى عمليات المراقبة شمال العراق ونشر القوات، قامت تركيا بإتمام مشاريع السدود على نهر الفرات لكي يتم تعجيز العراق وضمان نهايته فكما قال هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية «ان المؤسسين الحقيقيين للأرض الجديدة القديمة هم مهندسو المياه فعليهم يتوقف كل شيء».
وبرغم كل ذلك لم يتوقف سخاء العثمانيين الجدد تجاه البيت الابيض والغرب فقامت تركيا بإنشاء مشاريع سدود «الغاب» الذى يشمل اكثر من 20 سدا، والتى دعمته اسرائيل بقوة واعلنت عزمها الاستثمار فى تلك المنطقة فيوجد بمشروع الغاب 67 شركة اسرائيلية تعمل منذ عام 1995م، ولم تكتفي اسرائيل بذلك بل قامت بشراء اراض على ضفاف نهر مناوغات، وبات الدعم موجهاً ايضا لاقامة سدود بريجيك، قره قايا، غازي عنتاب، كيبانو، ودجلة.
وفى أواسط عام 2004م فتح البيت الابيض كتاب الشرق الاوسط الجديد للعثمانيين الجدد، فهم أكثر من تعامل مع العرب بحكم التاريخ والجغرافيا، كما أن الخليفة المنزل الجديد أردوغان بات أكثر تأثيرا في المجتمعات العربية بعد سلسلة فتوحات فى قطاع غزة 2008م .
فعقد اجتماع حلف الناتو باسطنبول عام 2004م ليكون بداية دخول تركيا محور أساسي لتنفيذ مشروع سايكس بيكو 2 الذي سمى بمشروع الشرق الاوسط الجديد الذى أنطلقت خطوط الترسيم الجديدة للمنطقة من ديار بكر التركية، واعلن قادة الحلف بعد الاجتماع عن مبادرة اسمها «تركيا والشرق الاوسط الجديد» وتم تحديد دور تركيا فى الخريطة الجديدة للمنطقة، ودورها المشبوه في أحداث الفوضى الخلاقة التى ستحدث بالمنطقة العربية بأكملها.
وفى عام 2007م، أي بعد أشهر قليلة من عدوان أسرائيل على لبنان بتموز 2006م، كان رئيس أسرائيل «شمعون بيريز» يلقي كلمة امام البرلمان التركي الاخواني، وفى الوقت ذاته كانت تكيل لنا تركيا كل مكيدة وأخرى حتى حلول عام 2011م، ومع بدء عواصف الربيع العبري كان أردوغان يخرج علينا من حين لاخر ليتهم العرب بعمالتهم للغرب وخيانتهم لله ورسوله.
وكل ما ذكر هو أمر يؤهل بقوة شخص كرئيس وزراء تركيا للترشح على منصب رئيس الدولة التي فيها عشر قواعد عسكرية للناتو، بجانب أن جميع طرقها البرية وموانيها البحرية تحت تصرف قوات حلف الاطلسي التي لها كامل الحرية فى انشاء اجهزة الانذار المبكر والرصد والرادارات في جميع أنحاء تركيا، وعند ذكر كلمة رادارات يجب ان نتذكر منظومة الرادرات التى وضعتها الولايات المتحدة بتركيا لكي تغطي جميع دول الاقليم ليس بهدف حماية الاراضي التركية، ولكن لحماية اسرائيل كما صرح قائد اسطول القوات البحرية الاميركية بالبحر المتوسط عندما قال: «ان هذة الرادارات مهمتها ارسال اشارات الاستشعار المبكرة للبواخر الاميركية التى تقف فى عرض البحر المتوسط لحماية اسرائيل، لان الرادارات التى توجد على البواخر الاميركية مداها لا يتجازة 250 كم لكن رادارات على مستوى جبال تركيا فهي تستطيع رصد اي صاروخ يخرج تجاه اسرائيل وارسال استشعارات للبواخر التى تحمل منظومة صاروخية للدفاع عن اسرائيل فيتم التعامل مع الهدف بسهولة».
نعم كل ما كتب هو جزء مختصر جدا عن اخوان تركيا، فيد العثماني أردوغان كيد أجداده ملطخة بدماء العرب فى العراق وسوريا وليبيا ومصر بعد أن تحولت تركيا قاعدة أعلامية بفضل قناة TRT التركية التى صارت على نهج قناة الجزيرة القطرية فى اشعال الفتن وبث السموم، وتلميع جماعة الاخوان بتونس وليبيا بخاصة بعد الاستياء الشعبي من تآمر التنظيم الدولى على الوطن العربي ومطالبة شعوب تلك الدول بإسقاطهم على غرار ما حدث في مصر، وقاعدة اقتصادية بفضل كم الدعم المالي الذي قدم لجماعة الاخوان سواء فى شكل أستثمارات ومشاريع لقيادات الاخوان بالقاهرة، أو فى شكل مساعدات لحكومات اخوان تلك الدول، وقاعدة عسكرية تعمل على تزويد المليشيات المتطرفة بالعراق وسوريا عبر الحدود معهم او بتزويد مليشيات أنصار الشريعة بليبيا عبر السودان وتونس، وكل ذلك من أجل ترسيم مشروع الفوضى الخلاقة وتأسيس الخلافة الاخوانية، ولذلك لا نتعجب لماذا لا ينتقد البيت الابيض او مدعي الديموقراطية بأوروبا جرائم أردوغان ضد شعبه وما يقوم به كل يوم من اعتقالات بكل مؤسسات الدولة بعد محاولة انقلاب منتصف تموز2016.
ولان التناقض سمة الخليفة العثماني، فبعد أن قسم بداية الحرب فى سوريا انه سيقضي على بشار الاسد وسيصلي فى المسجد الاموي ثم أعلن عدم اعتراضه بقاء الاسد، اليوم يتراجع عن التقدم فى عفرين، بعد اتفاق مع تيلرسون وان تدخل دمشق الى عفرين، ولكن لعدم احراجه امام شعبه، فضل ان يكون اسم القوات السورية التى ستدخل عفرين أن تكون تحت مسمى «قوات شعبية» وليس الجيش العربي السوري، وهو مشهد يذكرني بعد أن توعد اسرائيل بعد حادثة سفينة مرمرة وبعد الحادثة بشهر كانت تركيا تستقبل اسراباً من المقاتلات الجوية الاسرائيلية فى جبال الاناضول للتدرب على استهداف العناصر المطلوبة وسط جبال فى بيئة جغرافية مشابهة لجنوب لبنان.

Loading...

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*