مناورات تركيا في إدلب ومصيرها

بعد أن تقلّصت ميادين التدخّل الخارجي في القتال العدواني ضد سورية وتقلّصت معها قوى هذا التدخّل، حتى بات في الإمكان وبكل سهولة، تحديد هذه القوى ومناطق تدخّلها وإلى حد بعيد الأهداف التي ترمي اليها من هذا التدخل، برزت تركيا في طليعة القوى الأجنبية التي لا زالت تطمح أو تمني النفس بكسب جائزة ما من مشاركتها في العدوان على سورية، لا بل من تشكيلها رأس حربة هذا العدوان في أيامه الأولى وقيادتها له في الخطة الأولى التي استهدفت سورية والتي أسميت «خطة الإخوان المسلمين» والتي كانت تطمح لإقامة «إمبراطورية إخوانية عثمانية» بقيادة تركيا تمتد من تونس إلى سورية عبر مصر وغزة والضفة والأردن.

بيد أن فشل «خطة الإخوان» أدّى إلى تراجع الدور التركي إلى ان وصل اليوم إلى سقف «متواضع» جداً قياساً على «السقف الإمبراطوري» السابق، سقف ليس فيه أكثر من السعي لإدخال او ضمان دخول الإخوان المسلمين في الحكومة السورية المركزية التي ستنشأ برأيهم نتيجة للحل السياسي الذي يعمل لإنتاجه ويقود إلى توزع السلطة بين القوى التي شاركت في الحرب والتي بقيت في الميدان حتى اللحظات الأخيرة واشتركت في إنتاج هذا الحل. فإن لم تصل الأمور حد الطمأنينة واليقين فإن الحل البديل الذي يراه التركي اليوم يتمثل في الإمساك الميداني بمنطقة سورية يقيم فيها نوعاً من الحكم الذاتي بقيادة الإخوان المسلمين تحت سيطرة الحكومة التركية. حكم ليس له من الارتباط بالدولة السورية إلا الرباط الواهن الذي يخدع البعض من المطالبين بوحدة سورية ورفض تقسيمها.

إذن وصلت تركيا اليوم في موقفها من سورية والعدوان عليها إلى وضع تعمل فيه على خطين علّها تنجح في أحد منهما فتعتمده. الأول ضمان الشراكة الإخوانية في الحكم المركزي بصرف النظر عن الإرادة الشعبية أحد الأعضاء في القيادة العالمية للإخوان يقول: لن يكون حلّ في سورية إن لم يكن للإخوان المسلمين في الحكم نصف القرار على الأقل ، أما الثاني فيتمثل بإقامة إقليم حكم ذاتي للإخوان على أرض تكاد تعادل مساحة لبنان وتمتد من شمالي حلب إلى شمالي اللاذقية شاملاً إدلب وجسر الشغور وعفرين.

بيد أن الطموح التركي يصطدم بحدة بالقرار السوري الاستراتيجي الكبير القائم على التمسك بوحدة سورية، واستقلالية قرار الشعب السوري المعبر عنه في انتخابات حرة ونزيهة. وبالتالي عدم إمكانية الالتزام المسبق بتمكين الإخوان من الإمساك بنصف الحكومة، إن لم يكن لهم في مجلس الشعب نصف النواب، وتركيا تعرف بشكل يقيني بأن الإخوان لا يملكون قوة تجييرية شعبية تصل إلى هذا النصف بل إن حجمهم أقل بكثير من ذلك. وبالتالي تعرف تركيا أن أياً من خياراتها مستحيل القبول من قبل حكومة يقودها الرئيس بشار الأسد الذي خاض وانتصر في حرب الدفاع عن سورية وموقعها واستقلالها ودورها الاستراتيجي. وليس منطقياً ولا يمكن أن يكون مقبولاً أن يتنازل المنتصر عن انتصاره ليُرضي المهزوم ويعوّضه عن هزيمته.

ورغم هذه الحقيقة تمضي تركيا في رهاناتها، وتنظر إلى عملية تحرير إدلب نظرة ريبة ورفض، لأنها تخشى أن تخسر الورقة الأخيرة التي تُمني النفس عبرها بتحقيق شيء ما في سورية، ففيها الأرض التي يمكن أن تقيم عليها الإقليم الإخواني المزعوم ومن بابها تتصور أنها قادرة على إدخال الإخوان في السلطة. ولهذا تعمل الآن على الخيارين معاً. فمن جهة تعزز ما تسمّيه حكومة الإخوان وتحضرها للانتقال من تركيا إلى عفرين أو إدلب، ومن جهة ثانية تريد من الفصائل الإرهابية المسلحة كلها بما فيها جبهة النصرة مبايعة حكومة الإخوان أو مواجهة عسكرية تجتثها.

تقدم تركيا على ذلك وهي تعلم حجم الدور التركي وقدرات ومكانة تركيا في تسهيل او عرقلة عملية التحرير السوري لإدلب، كما أنّها تظن أن الجيش العربي السوري وحلفاءه بحاجة إلى هذا الدور لإنجاز عملية التحرير بكلفة ومدة معقولة. فتركيا قادرة على قطع طرق إمداد المسلحين عبرها أو فعل العكس، وقادرة على المساهمة السلبية في حصارهم إن لم تصل إلى درجة قتالهم، او فعل العكس الخ… وإلى جانب هذا الظن أو التصور حتى واليقين، فإن تركيا على يقين أيضاً بأن سورية ماضية حتماً في عملية تحرير إدلب وبشروطها وأن مبدأ التحرير وقراره نهائي لا رجعة عنه وجلّ ما يمكن أن يدور بحث او تفاوض عليه هو الآلية والتوقيت والوسائل من دون أن يمس ذلك بالجوهر.

أما عن ظروف العملية، فإن تركيا تدرك أنها ليست الظروف المثالية لها، في ظل الحرب الاقتصادية التي تشنها أميركا عليها في هذه الأيام. الحرب التي تسبّبت بخسارة الليرة التركية نصف قيمتها في أقل من عام والمرشحة للاستمرار بما يرفع مستوى التضخم إلى 25 في العام المقبل. وهو ما قد يشكل كارثة تنزل بالاقتصاد التركي وتجبر تركيا على الالتصاق أكثر بكل من روسيا وإيران والحرص على عدم إغضابهما في هذه الفترة.

لكل ذلك نرى أن تركيا ليست طليقة اليدين في وضع الخطط والمناورات المعرقلة لعملية تحرير إدلب، في مقابل قرار استراتيجي سوري نهائي بالمضي قدماً في التنفيذ مهما كانت الكلفة والصعوبات، فقد بات من مصلحة سورية الإنجاز السريع للمهمة هناك للتفرّغ بعدها لوضع شرق الفرات الذي يتطلّب عملاً خاصاً يُجهض الخطط الأميركية الرامية إلى إحياء فكرة التقسيم بعد أن كادت تدفن إثر الاتصالات المعمقة التي أجرتها «مسد» مجلس سورية الديمقراطية مع الحكومة في دمشق، وقد رشح منها تراجع كردي صريح عن كل ما يمتّ إلى التقسيم بصلة مباشرة أو غير مباشرة، تراجع تسعى أميركا اليوم لمنعه والعودة عنه.

في ظل هذه الوقائع والحقائق تسعى تركيا التي تعرف أن مواجهة عسكرية مباشرة بينها وبين الجيش العربي السوري لن تكون مطلقاً في مصلحتها على أكثر من صعيد. وهنا يتقدم السياسي والشرعي على العسكري والميداني، ولذلك تعمل بكل ما لديها لتجنّبها، تسعى تركيا لمنع انطلاق سورية في التنفيذ لتجنّب الخيارات الصعبة تلك، ولأجل ذلك طلبت تركيا عبر روسيا تأجيل العملية 3 أشهر على الأقل تتوخى منها ترتيب أوضاعها في الميدان والسياسة، ومعالجة علاقاتها مع أميركا لتكون أكثر قدرة على المناورة والمواجهة.

بيد أن سورية لن تجد مصلحة لها في تأخير عملية تحرير إدلب حتى لأسبوع واحد، وهي ترى ان الانطلاق المبكر يوفر فرصاً أعلى للنجاح مع كلفة أقل. ولهذا بات شبه مقطوع به أن تبدأ عملية التحرير فور اكتمال التحضيرات على كل الصعد وهي باتت في مراحلها الأخيرة . فسورية لن تتعجل الأمر قبل أوانه، ولن تتخطى الزمن المعقول لتنفيذه، ويكون على تركيا أن تسلم بهذه الحقيقة وتدرك أن سورية التي دافعت نيّفاً وسبع سنين عن نفسها ووجودها لن تجهض انتصاراتها بأي تنازل مهما كانت طبيعته، وأن الظرف ليس في صالح تركيا حتى تناور لأخذ ما ليس لها حق به. وبالتالي ستفشل مناورتها الراهنة كما فشلت خطتها التي بدأت العدوان بها.
البناء

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*